الشريف المرتضى
243
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
فإن ادّعوا أنّ هذه اللفظة تجري على من أظهر الإيمان حقيقة ، واستدلّوا عليه بقوله تعالى : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ « 1 » ، وقوله عزّ وجلّ : إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ « 2 » ، طولبوا بالدلالة على ما ادّعوه ، فإنّه يتعذّر عليهم . والآيتان اللّتان ذكروهما إنّما علمنا أنّ المراد بهما من أظهر الإيمان بدلالة ، والظاهر يقتضي خلاف ما حملناهما عليه . وأيضا ؛ فإنّ الآية تضمّنت حظر اتّباع غير سبيل المؤمنين ، ولم يجر لسبيل المؤمنين ذكر ، ودليل الخطاب غير صحيح عندنا وعند أكثرهم ، فلا يجوز الرجوع إليه في هذه الآية . وليس لأحد أن يقول : إنّ المراد بلفظة « غير » هيهنا الاستثناء ، كأنّه قال : « لا تتّبع إلّا سبيل المؤمنين » ، كما يقول أحدنا لغيره : « لا تأكل غير هذا الطعام » ، أي لا تأكل إلّا هذا الطعام ، ولا تلق غير زيد ، الّذي يفهم منه إيجاب لقائه . وذلك أنّ لفظة « غير » هي بالصفة أحقّ منها بالاستثناء ، وإنّما استثني بها في بعض المواضع تشبيها لها بلفظة « إلّا » ، كما وصفوا في بعض المواضع بلفظة « إلّا » تشبيها لها بغير . وبعد ، فلو احتملت لفظة « غير » الصفة والاستثناء احتمالا واحدا ، - وليس الأمر كذلك - لكانوا يحتاجون في حملها على الاستثناء دون الصفة إلى دلالة . والّذي يبيّن الفرق بين ما جمعوا بينه أنّه يحسن أن يقول أحدنا لغيره : « لا تأكل غير هذا الطعام ولا هذا الطعام » ولا يجوز أن يقول : « لا تأكل إلّا هذا الطعام ولا تأكل هذا الطعام » . فإن قيل : متى لم يتبع غير سبيل المؤمنين ، فبالضرورة لا بدّ من كونه متّبعا لسبيلهم فحظر أحد الأمرين إيجاب للآخر . قلنا : ليس الأمر كذلك ؛ لأنّه قد يجوز أن يحظر عليه اتّباع سبيل كلّ أحد ، ويلزم التعويل على الأدلّة ؛ لأنّ المفهوم من هذه اللّفظة أن يفعل المتّبع الفعل لأجل فعل المتّبع ، وقد يمكن أن ينهى عن ذلك كلّه .
--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية : 92 . ( 2 ) سورة الممتحنة ، الآية : 10 .